حسن الأمين
109
مستدركات أعيان الشيعة
الميرزا رحيم بن الحاج إبراهيم قلي المعروف بابو الحسن يغما الجندقي : من الشعراء المعروفين في العهد القاجاري . ولد عام 1196 هفي قرية ( خور [ ] وبيابانك جندق ) في الصحراء المركزية الإيرانية التي كانت تابعة آنذاك لمدينة سمنان . اشتغل في صباه برعي الإبل فكان يؤمن معيشة عائلته عن هذا الطريق . ويقال ان الأمير إسماعيل خان العربي العامري الذي كان من كبار الأعيان والملاكين في تلك المنطقة مر ذات يوم بيغما ، فدعاه اليه وطرح عليه بعض الأسئلة ، فأجاب يغما على الأسئلة جوابا حسنا ، فأعجب به الأمير وأحضره معه إلى داره وأشرف على تربيته . تعلم يغما القراءة والكتابة في بضع سنين وتعلم إلى جانب ذلك الفنون المتداولة عصرئذ من فروسية ورماية وأجاد الخط حتى لفت انتباه الأمير بخطه ، فعينه كاتبا خاصا له . وفي تلك الأثناء تلقب لأول مرة بالمجنون وأنشأ ينظم الشعر . وفي عام 1216 هساءت العلاقات بين إسماعيل خان والدولة ، فبعثت العاصمة قوة لمهاجمته ، ودارت معركة بين الجانبين ، هزم إسماعيل خان فيها ، وهرب إلى خراسان ووقعت جميع املاكه بأيدي الفاتحين . ذهب يغما إلى سمنان للالتحاق بالخدمة العسكرية ، فدخل في زمرة جنود حاكم سمنان ودامغان القائد ذو الفقار خان السمناني ، واستطاع بقدرته الأدبية ان يصبح كاتبا في ديوان رسائل ذو الفقار خان . وفي غضون ذلك كتب « كتاب السردارية » واستعمل في أشعاره مرارا كلمة قبيحة كان ذو الفقار يكثر من استعمالها في كلامه ، فغضب ذو الفقار منه ، وكما هو متعارف عليه عصرئذ أمر بجلده بالفلقة ومصادرة املاكه وأمواله . ولهذه المناسبة لقب أبو الحسن نفسه ب ( يغما ) ( أي النهب والمصادرة ) ورحل إلى طهران لتقديم شكواه إلى البلاط ، ومن البديهي انه لم يفلح في نيل حقه مقابل قائد قوي مثل ذو الفقار خان . فارتدى لباس الدراويش وساح في الأرض ينتقل من بلد إلى بلد ومن مكان إلى آخر فزار خلال ذلك كربلاء وبغداد ، حتى أخذ القائد ذو الفقار يصفح عنه ويقربه يوما بعد آخر فعاد يغما إلى مسقط رأسه . ولكنه لم يمكث فيه طويلا ، بل سافر بعد ستة أشهر إلى طهران عن طريق يزد ، والتقى صدفة بالصدر الأعظم القوي الحاج الميرزا الاقاسي ، ورغم علاقة هذا بالدنيا كان يحب التصوف ويعتبر نفسه متصوفا خالص العقيدة ، فما لبث ان أحب يغما وقربه اليه ، فاخذ نجم الشاعر يرتفع يوما بعد آخر ، حتى نال في بلاط محمد شاه مكانة رفيعة وشهرة كبيرة بسبب سلطة ونفوذ الميرزا الاقاسي . ولكن يغما لم يكسب من مكانته في البلاط شيئا سوى وزارة حكومة كاشان . وخلال إقامته في كاشان وقعت حادثة مشينة ، فنظم يغما فيها قصيدة أسماها ( خلاصة الافتضاح ) أظهر فيها قدرته في الهجاء ، الذي كان محوره احدى الأسر . فعزمت هذه الأسرة على الثار لنفسها منه باي وسيلة ، وأخذت تتهمه لدى امام جمعة كاشان بشتى التهم ، فاتهمه الأخير بدوره علنا بشرب الخمر وعدم رعاية الأحكام الشرعية ، ووصفه في صلاة الجماعة بالارتداد واللادينية . ولكن يغما لم يبق وحده في قفص الاتهام ، بل نهضت جماعة للدفاع عنه ، ومنهم العالم المشهور الحاج الملا احمد النراقي الذي كانت لديه محكمة شرعية ، حيث لم يال جهدا في مساعدته . واضطر يغما إلى إعلان توبته والتظاهر بالزهد ، والظاهر أنه فعل ذلك دفعا للاتهام . وفي مثل هذه الظروف الفي يغما نفسه غير قادر على البقاء في كاشان ، فترك داره واملاكه وساح في الأرض ، واقام فترة في هرات ، وفي أواخر حياته عاد إلى مسقط رأسه وله من العمر ثمانون سنة ، فبقي فيه حتى فارق الحياة في يوم الثلاثاء السادس عشر من ربيع الثاني عام 1276 هفي قرية خور ، ودفن فيها بجوار مقبرة السيد داود . ترك يغما بعض الآثار الأدبية منها ديوان أشعاره الذي طبع في طهران عدة مرات ومنها عدد من الكتب التي دونها بخط يده وتحتفظ بها أسرته . وجاء ديوانه مشتملا على المثنوي والغزليات والمراثي وغيرها ، وكان في غزلياته يتميز على شعراء عصره بكونه أكثر رقة وأدق معنى ، وحظيت بعض أشعاره ، بشهرة واسعة ، حتى أصبحت متداولة على لسان الخاصة والعامة . وابدع في المراثي بما لم يفعله الآخرون . وعرف يغما بحبه للغة الفارسية وثقافتها ، بحيث كان يكتب أغلب رسائله بلغة فارسية سليمة خالية من المفردات العربية ، وأثبت مهارة كبيرة في هذا المجال . ومن فضائله ، حسن خطه والظاهر أنه خط بيده كثيرا من الدواوين الشعرية للشعراء المتقدمين ، وتوجد هذه الدواوين الآن لدى أسرته مع جميع الملحقات والإضافات . ومن الأمور التي تميز بها هذا الشاعر الجريء انه لم يمدح شاها ولا أميرا رغم رواج سوق المدح في زمن القاجاريين . ( 1 ) رضا قلي : « رضا قلي خان » ابن « الأمير كونه خان كرد زعفرانلو » حاكم « قوشان » و « شيروان » وغيرهما . كان من كبار أمراء خراسان ومن أقوى خاناتها وأقدرهم . وفي أيام تولي « محمد ولي ميرزا » ابن « فتح علي شاه » القاجاري حكومة خراسان اشتد « رضا قلي خان » هذا في مخالفته في كل مدة حكمه . وحاربه أكثر من مرة . وفي سنة ( 1231 ه ) خلف « محمد ولي ميرزا » أخوه « حسن علي ميرزا شجاع السلطنة » على حكومة خراسان فاستطاع ان يدخل كل خانات خراسان وأمرائها ، ومنهم « رضا قلي خان » ، في طاعته ، ووفدوا عليه ، بعد أن كانوا يتحاشون الوفود على « محمد ولي ميرزا » ويخشونه خشية شديدة . ثم فعل « رضا قلي » في سنة ( 1245 ه ) بالسردار حسين خان ، وهو حاكم خراسان يومئذ ، ما فعله بمحمد ولي ميرزا ، فقد خالفه ونصب له العداوة حتى تمكن من حمل المسؤولين على عزله وتعيين « احمد علي ميرزا » الابن الثاني عشر لفتح علي شاه في مكانه . وفي سنة ( 1233 ه ) حين سار « فتح خان » الوزير المقدام المدبر
--> ( 1 ) عبد الرفيع حقيقت .